الفارابــي


 

أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي ولد في واسج بمقاطعـة فاراب بتركستان ، درس في بغـداد أولا عـلى معـلم مسيحي هو يوحنا بن حيلان ،ودرس بعـد ذلك المنطق والفلسفة والنحو والصرف والعـلوم والرياضيات والموسيقى وارتحل الى حلب عـام 914 م ( 330 هـ ) واستقر في مجلس سيف الدولة ثم قام بأسفار أخرى ووصل الى القاهرة وعـاد الى الشام حيث توفي في دمشق سنة 950 م ( 339 هـ ) عـن ثمانين عـاما ، لقب الفارابي بالمعـلم الثاني ( وأرسطو المعـلم الأول ) وأراد البرهان عـلى غـرار الافلاطونيين الجد ، عـلى اتفاق أرسطو وافلاطون فهما في رأيه يختلفان في المنهج والاسلوب وسيرة الحياة أما مذهبهما الفلسفي فواح وتأثر بافلوطين وقبس منه نظريته في الواحد وتكثره فمن الواحد ، وهو اللـه ، يصدر العـالم وذلك عـندما يتعـقل اللـه ذاته ، فالأصل إذن عـلم اللـه لا إرادته ، وعـنه يفيض العـقل الاول الذي يحرك الفلك الأكبر وبعـده تأتي عـقول ثمانية نيطت بها الاجرام السماوية ويليها في مراتب الوجود العـقل الفعـال الذي يكون حلقة اتصال بين العـالم العـلوي والعـالم السفلي وتليه في المرتبة النفس ، والعـقل الفعـال والنفس يتكثران في أفراد البشر فيكون منهما بقدر ما هنا من بني البشر وفي آخر المراتب تأتي المادة ومنها تتكون الاشياء  .

 

والمعـرفة عـند الفارابي هي في الصعـود من أدنى مراتب الموجودات الى أعـلاها وفي الانتقال بالتالي من الكثرة الى الوحدة فالاشياء المادية إذا ما أدركها العـقل تحولت إلى معـقول وصار لها وجود في العـقل يباين وجودها المادي والعـقل يكون في الانسان بالقوة فإذا ما أدرك الإنسان بحواسه صور الاجسام الخارجية أصبح العـقل عـندئذ موجودا بالفعـل ومعـنى ذلك أن حصول المعـرفة الحسية هو انتقال من القوة إلى الفعـل عـلى أن هذا الانتقال لا يتم بفعـل الإنسان نفسه بل هو مرهون بفعـل العـقل الذي هو أعـلى مرتبة من العـقل البشري وعـن طريق اتصال الانسان بالعـقل الفعـال تحصل اول المعـاني الكلية بالاشياء وبهذا يتحول الادراك الحسي الى إدراك عـقلي ولكن من أين تأتي الصور الكلية العـقلية إلى العـقل الفعـال ، تأتي اليه من العـقل الذي يعـلوه بمرتبة ، وهذا بدوره من الذي يعـلوه وهو اللـه ، هكذا يكون كل عـقل فاعـلا بالاضافة إلى ما دونه ، ومنفعـلا بالاضافة إلى ما فوقه والعـقل الفاعـل دائما ولا يكون منفعـلا لسواه هو اللـه .

 

وللفارابي ( رسالة في آراء أهل المدينة الفاضلة ) ضمنها آراءه السياسية ويبدو فيها واضحا تأثره ب ( جمهورية ) افلاطون فعـنده أن الممسك بمقاليد الدولة يجب أن يكون رئيسا فيلسوفا ، وهو يخلع عـليه جميع الفضائل التي تتوفر للانبياء وورثتهم ، ومن مؤلفاته الأخرى وهي كثيرة نذكر ( كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين ) افلاطون وارسطو و ( إحصاء العـلوم ) و ( كتاب السياسة المدهية المعـروف باسم مباديء الموجودات  ) و ( فلسفة ارسطوطاليس ) و ( كتاب الالفاظ المستعـملة في المنطق  ) و ( كتاب الحروف ) و ( فصوص الحكم ).

 

ومن الكثير الذي قيل في الفارابي نقتبس قول أتيين جلسون قال فيه ( هذا المنطق الكبير كان أيضا صاحب ذهن عـميق التدين ، ومن المحتمل أن يكون هذا الحس هو الذي أوحى اليه بالنظرية الفاصلة في التمييز بين الماهيه والوجود في الكائنات المخلوقة وهذا في تاريخ الميتافيزيقا سبق ).