أفلاطون


 

أعـظم فيلسوف في العـصور القديمة وربما في كل العـصور ولد نحو عـام 427 ق . م لأسرة اثينية ارستقراطية فأبوه أرسطون كان يعـد من أحفاد كودروس آخر ملوك أثينا وأمه افريقطوني من حفيدات ذروبيدس صديق الحكيم صولون وقريبه ومن بنات عـم اقريتياس الذي كان واحدا من الطغـاة الثلاثين وشقيقة خارميدس أحد مفوضي البيريه وكانت وشائج القربى تلك تؤهله للعـمل في السياسة فضلا عـن كونه متضلعـا في الفنون وكان عـلى وشك الاشتراك في مسابقة للتراجيديا عـندما تحول وله من العـمر عـشرون عـاما إلى الفلسفة التي أخذ مبادئها عـن اقراطياس ثم صار تلميذا لسقراط الذي عـلمه أن الفضيلة معـرفة والرذيلة جهل ولم يفارق معـلمه إلى يوم محاكمته ووفاته بعـد ثمانية أعـوام من لقائه الأول به وتولاه الاشمئزاز من جرائم الاحزاب السياسية المتعـاقبة عـلى الحكم فارتحل إلى ميغـارا حيث التحق بتلميذ آخر لسقراط هو اقليدس ، ثم زار مصر والتقى الرياضي ثيودوروس وجنوب ايطاليا حيث ارتبط بصداقة مع أرخيتاس التارنتي وكان رجل سياسة وعـالما فيثاغـوريا وذهب الى سراقوصة حيث صادق ديون صهر دونيسوس الأب وقد غـاظ الطاغـية أن يتجرأ افلاطون عـلى القاء الدرس عـليه فكلف سفير اسبارطة أن يبيعـه بيع العـبيد في إيجينا ولحسن حظه تعـرف عـليه اقنيقاريس وكان من أصدقائه القوربنائيين فافتداه وأعـتقه  .

 

نحو عـام 387 عـاد أفلاطون إلى اثينا وقد بلغ الاربعـين فأسس مدرسته التي عـرفت بإسم ( الاكاديمية ) نسبه لاسم البستان الذي شيدها فيه ولعـلها أول معـهد للتعـليم العـالي في التاريخ وقد خرجت الاكاديمية فلاسفة عـظام مثل ارسطو واستمرت الاكاديمية في الوجود تسعـة قرون متتالية ، بعـد وفاة مؤسسها في نحو 347 ق . م عـن ثمانين عـاما وفيما كان يحرر كتابه القوانين  .

 

كان افلاطون يؤثر المحادثة الحوارية عـلى تأليف الكتب وقد أشار ارسطو في العـديد من المناسبات إلى ( المذاهب غـير المكتوبة ) لمعـلمه ، بيد أن افلاطون كتب الكثير كل حال وقد وصلتنا مؤلفاته كاملة عـدا الأخيرين تيماوس والقوانين ومن مجموعـة محاوراته هناك ثمان وعـشرون محاورة من أهمها وأطولها ( الجمهورية ) ، ( السياسي ) و ( القوانين ) وهي مكرسة لمشكلة المدينة ، ومن المحاورات التي تعـود الى مرحلة الشباب نذكر ( خارميدس ) و ( الاخيس ) و ( ليزيس ) و ( بروتاغـوراس ) وله أيضا ( إيون ) و ( دفاع سقراط ) و ( إفريطون ) أما فترة النضج فيعـزون إليها محاورته ( غـورغـياس ) التي تنقد الخطابة حينما لا يكون سندها شاغـل العـدل و ( مينون ) التي تفحص عـما إذا كانت الفضيلة قابلة للتعـلم وطبيعـة الفن الصادق و ( اقراتيلس ) التي تعـالج أصول اللغـة و ( المأدبة ) وموضوعـها الجمال والحب و ( فيدون ) وتدور حول خلود النفس وموت سقراط ، و ( الجمهورية ) في العـدالة وتنظيم الدولة المثالية وتأتي بعـد ذلك طائفة من المحاورات الميتافيزيقية مثل ( فيدوس ) التي تعـالج الخطابة الحقة و ( تياتلتوس ) ( بارميندس ) ( السفسطائي ) وأخيرا ( السياسي ) .

 

أما محاورات مرحلة الشيخوخة فتضم :

 

  ( فيلابوس ) في اللذة والمنهج و ( تيمارس ) في الكسمولوجيا والانثروبولوجيا ومحاور غـير مكتملة حول ما قبل تاريخ أثينا و ( اقريتياس ) و ( القوانين ) .

 

وكان محاورة من تلك المحاورات تتطرق فضلا عـما أشرنا اليه إلى مسائل كثيرة بحيث تحافظ التنوع والعـفوية اللذين تتميز بها المحادثة عـادة .

 

  ولد الفكر الافلاطوني في خضم أزمة اخلاقية عـصفت بأثينا في زمن حرب البيلوبونيز فجميع الأفكار التي عـاشت عـليها المدن اليونانية زعـزعـها السفسطائيون الذين فتح مذهبهم في النسبية السبيل أمام نزعـى لا أخلاقية لا يردعـها وازع وكان مطلوبا أن يرد الاعـتبار لقيم ( العـدل ) و ( القانون ) اللذين أصبحا في قبضة الأقوى وكان مطلوبا أيضا أن تمنح تلك القيم أساسا ميتافيزيقيا وإلى جانب تلك الأزمة كانت هناك أزمة سياسية مصاحبة تمثلت في الثورات الاغـريقية فكان لا بد من تأسيس نظام يكون المطلق نقطة ارتكازه لمعـاودة صعـود المنحدر الذي انتهت اليه المدينة الاغـريقية إثر تعـاقب ما أسماه الارستقراطية والتيموقراطية أو الحكم العـسكري والاوليغـارشية والديموقراطية وأخيرا الطغـيان وهو أشد الحكومات عـسفاُ .

 

ويمكن تلمس فلسفة ارسطو عـلى نحو مقتضب عـبر رؤى فلاسفة العـصور المختلفة قال فيه تلميذه أرسطو ( لئن فصل افلاطون عـن العـالم المحسوس الواحد والاعـداد ولئن أدخل المثل فإنما ذلك لاهتمامه بصيغ التعـبير ، وبالفعـل ما كان المتقدمون عـليه يعـرفون الجدل ) وقال شيشرون ( إفلاطون ذلك الإله الذي هو المعـنا عـدو البلاعـة ومعـى ذلك أفصح الكتاب قاطبة ) وقال القديس أوغـسطينوس ( إفلاطون أحكم أهل زمانه وأعـلمهم ، ما نطق بحرف إلا وصار كبيرا ، وما قال شيئا إلا واستحال أن يعـود صغـيرا وحسبنا أن نقتطع منه بعـض العـبارات حتى نجعـل منه مسيحيا  ) وقال عـنه المعـلم ايكارت ( يتكلم افلاطون عـن نقاء ليس من هذا العـالم وليس من خارج هذا العـالم لا هو في الزمان ولا هو في الأبدية ولا خارج له ولا داخل ) وقال جان جاك روسو يصف فلسفة افلاطون ( فلسفة العـاشقين الحقة هي فلسفة افلاطون وفي أبان افتتانهم لا تكون لهم أبدا فلسفة أخرى ، فمن يكون منفعـلا لا يستطيع أن يفارق هذا الفيلسوف وإن يكن قارئا باردا شق عـليه احتماله ) وقال نيتشه ( أجده مشبعـا كل الاشباع بالاخلاق ومسيحيا مغـرقا في مسيحيته قبل ظهور المسيحية ) وأخيرا نقتبس بعـض ما كتبه عـنه غـروتويزن ( إن فلسفة افلاطون هي في المقام الاول رجوع متصل لفيلسوف نحو ذاته فلسفة للفيلسوف تتخذ فيها الفلسفة من نفسها موضوعـا ، وعـي فلسفي مستبصر تتبدى فيه التجربة الفلسفية في صور جديدة دوما وبهذا المعـنى لا يكون ثمة من سبيل إطلاقا إلى تصور الفلسفة عـلى أنها هذه الفلسفة المعـنية أو تلك وإنما فقط عـلى أنها ممارسة الفلسفة لهذا يخلق بنا أن نمتنع عـن الكلام عـن فلسفة افلاطونية ، بل عـن مذهب افلاطون وان نتكلم بالمقابل عـن طريقة بالتفلسف خاصة بافلاطون أو بالاحرى عـن ممارسة الفلسفة بصفة عـامة ، كما فهمها وعـلمها افلاطون  .