مراتب المعرفة عند الفلاسفة

 

تمحورت نقاشات العديد من الفلاسفة الأوائل على ماهية المعرفة والحكمة والإحساس للوصل إلى الحقيقة، وبالرغم من أن للحقيقة أوجه مختلفة فإن تلك النقاشات قطعت مراحل متقدمة للكشف عنها من أجل إعطاء صورة أكثر دقة عن ماهيتها. وخاضوا فلاسفة اليونان الأوائل حوارات عديدة بشأن الاستدلال على مراتب المعرفة، واعتقد البعض منهم أن الإنسان يتألف من منظومتين:(( أرضية وسماوية ))، فالجسد مكون أرضي والعقل مكون سماوي لأنه منهل المعرفة والإدراك للوصل إلى الحقيقة.

وعرجت تلك الحوارات على سُبل الوصول إلى المعرفة لإدراك الحقيقة المطلقة، فالمعرفة لاتأتي إلا من خلال سلوك السُبل الصحيحة. وبهذا شرع الفلاسفة الأوائل نظاماً يحدد مراتب المعرفة في الفلسفة. وكان لشيخ الفلاسفة ((سقراط)) السبق في طرح مراتب المعرفة التي حددها بأربع مراتب هي:

1- الإحساس:
يعني إدراك عوارض الأجسام أو أشباحها في اليقضة وصورها في المقام.

2- الظن:
يعني الحكم على المحسوسات بما هي.

3-الاستدلال:
يعني علم الماهيات الرياضية المتحققة في المحسوسات.

4- التعقل:
يعني إدراك الماهيات المجردة من كل مادة.

وتهدف تلك المراتب إلى تشخيص المسببات للحالة، ومن ثم إصدار الأحكام عليها. وفي مرحلة لاحقة التحقق من الأحكام الافتراضية للوصول إلى الحكم الأولي، وفيما بعد إدراك الحالة للوصول إلى الحقيقة المطلقة.
ولم يبتعد ((أفلاطون)) عن ذاك التسلسل لمراتب المعرفة عن معلمه الأول ((سقراط)) لكن جاء بتصورات أكثر إيضاح عن دلالة كل مرتبة من مراتب المعرفة، حيث قسمها إلى أربعة مراتب هي:

1-المعرفة الحسية:

عبارة عن إدراك صور المحسوسات، وتعتبر أدنى مراتب المعرفة وأولها.

2-المعرفة الظنية:

هي الحكم على المحسوسات من خلال مقارنتها بعضها ببعض، واستنباط قواسم مشتركة بينهما. وهي إما صادقة وإما كاذبة.

3-المعرفة الاستدلالية:

هي ما يحصل عليها العقل بواسطة الجدل والفرضيات، وتكون مقدمة للوصول إلى اليقين إذا ما استندت إلى فرضيات صادقة.

4-المعرفة اليقينية:

هي أرقى مراتب المعرفة وأقصاها، لأنها إدراك للمثل وتعقل لمعرفة الحقيقة المطلقة.

يتبين من تشخيص ((أفلاطون)) لمراتب المعرفة ومدلولات كل مرتبة، إن هناك تحديداً دقيقاً لمستوى المعرفة حيث أشار إلى أن المعرفة الحسية هي أدنى مراتب المعرفة كونها لاتعطي دلالات كافية للوصول إلى المعرفة. ومن ثم تطرق إلى المعرفة الظنية، وهي شكل من أشكال الفروض البحثية وما يتوجب دراسته ومقارنته وثم استنباط أسسه المشتركة لتحقق من صدقه وعدم صدقه. وأعطى أهمية للمرتبة الثالثة للمعرفة، كونها تستدل من خلال مناقشة نتائج الصدق من عدم الصدق المعرفي باستخدام سُبل الجدل والاحتكام إلى العقل للوصول إلى النتيجة النهائية. ومن ثم الاحتكام للنتيجة النهائية في المرتبة الرابعة من المعرفة، كونها الأرقى من حيث الرتبة لأنها تصادق على النتيجة الأكثر صدقاً للوصول إلى الحقيقة المطلقة.
إن الأساس وما شرع في بحثه الفلاسفة الأوائل بشأن المعرفة، لم يكن نهاية المطاف لعلم الفلسفة. فالبحث عن الحقيقة مازال يدفع باتجاه اكتشاف سُبل جديدة ومتنوعة. وما عبر عنه ((أفلاطون)) بالحقيقة المطلقة ليس سهل المنال، فكلما توسعت سُبل المعرفة كلما تكشفت أكثر الأوجه المتعددة للحقيقة وأدى ذلك إلى صعوبة أكثر في إصدار أحكام الإطلاق المجردة.

بعد عقود عديدة من تناول الفلاسفة الأوائل لسُبل الوصول إلى الحقيقة عبر طًّرق أبواب المعرفة المتنوعة، تواصل البحث من جديد بهدف الوصول إلى نتائج أكثر دقة. وفي هذه المرة لم يقتصر البحث على فلاسفة اليونان وأنما انسحب على بقاع أخرى من العالم وفلاسفة آخرين، حيث أخذوا على عاتقهم استكمال بحوث الأولين وتطرقوا إلى أبواب المعرفة وسُبلها من جديد للوصول إلى الحقيقة المطلقة.
وإذا كانت بيئة النشأة لفلاسفة اليونان فرضت عليهم نوع من الصرامة والحدود في البحث عن الحقيقة، بغرض عدم المساس بالمعتقدات الاجتماعية. فإن تلك الحدود تم تجاوزها من قبل بعض الفلاسفة، فطالتهم عقوبة الإعدام.

فإن تلك البيئة والمعتقدات والقيم الاجتماعية، كانت أكثر صرامة في عصر فلاسفة آخرين. ومنهم ((الفارابي)) الذي حاول إيجاد معادلة متوازنة في البحث عن الحقيقة من خلال طرق أوجه المعرفة بما لايتعارض وقيم المجتمع. أخاذاً العبرة من الفلاسفة الأولين الذين دفعوا حياتهم ثمن هذا التجاوز.
يعتبر ((الفارابي)) أحد تلامذة ((أرسطو)) الذي لم يستمد منه مناهل الفلسفة حسب، بل استمد منه حذره في المساس بالمعتقدات الاجتماعية قياساً بأقرانه الأولين. يعتقد ((الفارابي)) بأن مراتب المعرفة للوصول إلى الحقيقة ثلاث:

1-المعرفة الحسية:
إنها أبواب المعرفة وسُبلها، وهي عبارة عن إدراك صور المحسوسات بواسطة الحواس. ويكون ذلك الإدراك ظاهراً في مرحلة أولى وباطناً في مرحلة ثانية.

2-المعرفة العقلية:
إنها إدراك الكليات الثابتة المجردة بواسطة العقل، وتكون للإنسان فقط. في حين أن المعرفة الحسية مشتركة بين الإنسان والحيوان.

3-المعرفة الإشرافية:
هي ضرب خاص من المعرفة، كما تعني لفظاً إشراق نور العقل الفعال وفيضانه على صفحة القلب سبيلها التصرف العقلي المستند إلى التأمل الفكري والاستغراق الروحي بحيث يصير العقل متأهباً لتلقي المعرفة المطلقة.

وناقش ((الفارابي)) في مبحثه الأول لمراتب المعرفة (الحسية) سبيل الوصول إلى إدراك صور المحسوسات عن طريق الإحساس، لكن هذا الإحساس له صورتين: الأولى، ظاهرة للأعيان والثانية، باطنة وغير مرئية، وتقتصر على الذات وإدراكها لصور المحسوسات غير الظاهرة. كما أنه خالف آراء الفلاسفة الآخرين بإعطائه شمولية أكثر لمرتبة المعرفة الحسية حيث خصها بالإنسان والحيوان.

في مبحثه الثاني عن مراتب المعرفة (العقلية) أيضاً فصل بين الإنسان والحيوان، حيث أن الأول يدرك الأمور من خلال العقل والثاني خالياً منه. وإدراك الإنسان العقلي لكليات الثابتة والمجردة، عنى به مناقشة فروض المعرفة الحسية (الظاهرية والباطنية) للخروج بانطباع أقرب إلى الحقيقة عن نتائج محاكات العقل للمسببات الحسية. وهذا بحد ذاته يتنافى والإحساس الباطن وما أسس له كمخرج لربطه بالعالم اللاهوتي.

وفي مبحثه الثالث (المعرفة الإشرافية) ينهل ((الفارابي)) من منهلين مختلفين للوصول إلى الحقيقة المطلقة: المنهل الأول هو خلاصة الحكم العقلي على إدراك الكليات الثابتة والمجردة التي يسميها (إشراق نور العقل) ومن ثم ربطها جدلياً بالإحساس حيث عبر عنه بـ (صفحة القلب) منهل الإحساس والعاطفة، والمنهل الثاني: ينهل أحكامه من العالم اللاهوتي حيث عبر عنه بـ ((الاستغراق الروحي)).

خلاصة رؤية ((الفارابي)) لمراتب المعرفة، إيجاد علاقة جدلية بين (الظاهر والباطن) و (العقل والروح) وهذا التداخل بين الملموس والمجرد يعود لسببين هما: بيئة المنشأ للقيم والعادات الاجتماعية وما تحكم توجهه ومحاولته عدم المساس بهما. أو لربما لإيمانه اللاهوتي بأن الوصول للحقيقة يتطلب تظافر (العقل والروح) فطالما أن الحقيقة المطلقة في اللاهوت تقتصر على السماء (الروح) دون الأرض (العقل) فلايمكن إدراكها إلا إذا شأت الإرادة السماوية منحها (للإرادة الأرضية) للفيلسوف الباحث عن الحقيقة المطلقة. وتتناغم هذه الرؤية (إلى حد ما) مع رؤية الفلاسفة الأوائل بأن الجسد مكون أرضي والعقل مكون سماوي.

في حين ((روجر بيكون)) يقسم مراتب المعرفة إلى ثلاثة أقسام هي: النقل؛ والاستدلال؛ والتجربة. حيث يجد أن النقل هو الذي يولد العلم ولايعطي علة ما، والاستدلال هو القياس الذي يميز القياس البرهاني عن القياس المغالطي. وأخيراً فان التجربة هي الأساس في الوصول للحقيقة.
يميل ((روجر بيكون)) أكثر برؤيته نحو الاعتماد على البرهان والتجربة للوصل إلى الحقيقة، حيث لايمكن الركون إلى النتائج العقلية للإقرار بالحقيقة. فالتصورات النظرية والمقبولة عقلياً، ليس بالضرورة صالحة للتطبيق العملي. والتصور الذي لايخضع للتجربة المسندة بالبراهين لايمكن الركون له.
وهذا بالضبط النهج التجريبي للوصول للحقيقة، حيث أنه لايؤمن بالمنظومة المعرفية للعقل كونها مؤسسة لسُبل المعرفة النظرية دون المعرفة التطبيقية. ويأتي منهجه في الاستدلال كقياس للتحقق من البراهين الصحيحة والخاطئة. وهذا الاستدلال أيضاً، لايمكن الوثوق به إلا من خلال إخضاعه للتجربة للوصول إلى النتائج الصحيحة.

ومازالت الأبواب مشرعة في النهج الفلسفي للبحث عن سُبل جديدة للوصول إلى الحقيقة بأوجهها المتعددة، أملاً في الوصول إلى الحقيقة المطلقة التي مازالت بعيدة المنال عن منظومة العقل